اوراق مختارة

قانون «الانتظام المالي» يتجاهل النزاعات القضائية

post-img

زينب بزي (صحيفة الأخبار)

ليس لدى أحد شكّ بأن مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع هو الإطار التشريعي الذي يفترض أن يؤسّس لمعالجة تبعات الانهيار المصرفي. غير أنّه بدا للخبراء في القانون كأنه مشروع عام لمعالجة بعض جوانب الأزمة، ويترك قسماً منها معلقاً على اجتهادات القضاة، لا سيما النزاعات القانونية التي نشأت بفعل الانهيار بين الأفراد بوصفهم مودعين أو مقترضين وبين المؤسسات المصرفية، وهي نزاعات لم يبتّ بها القضاء بشكل نهائي وحاسم قبل صدور القانون، فكيف سيجري التعامل معها بعد صدوره بالصيغة التي أحيل فيها إلى مجلس النواب؟

يركّز مشروع القانون على مقاربة مالية للفجوة من دون أن يعود إلى رسم الإطار القانوني لتنظيم العلاقة بين المصرف والفرد أو الشركات التجارية. صحيح أنه يرمي أيضاً إلى توزيع الخسائر على الأطراف المعنية من مصرف لبنان والمصارف والزبائن والدولة، إلا أن النزاعات القانونية بينهم ستظلّ قائمة لأن القانون لا يذكرها صراحة أو يتطرّق إليها. فهو لم يذكر مصير الإيداعات التي تمت عبر كتاب العدل أو الدعاوى المرفوعة أمام المحاكم المختلفة.

هذا الوضع يظهر بوضوح في مسألة الودائع بالليرة اللبنانية. فالمشروع لا يلحظها ولا يحدّد مصيرها، ولا يذكر آلية التعامل معها ضمن مسار توزيع الخسائر، بل من الواضح أنه سيترك حاملي الليرة يتعرّضون للخسارة القصوى. إذا كانت الودائع بالليرة، وهي جزء العملة الرسمية للدولة اللبنانية وجزء أساسي من الواقع المالي والنقدي، قد بقيت خارج النص، فيصبح طبيعياً، في بلد غير طبيعي، أن لا يدخل المشروع أصلاً في ملف الدعاوى القضائية المرتبطة بها أو بسواها من النزاعات الفردية.

ومن اللافت أن يتطرّق المشروع بصورة عابرة إلى القروض والتسهيلات المصرفية في المادة الخامسة منه، إنما في سياق خارج تماماً عن الإشكالات القضائية القائمة. فهذه المادة لا تُعالج النزاعات بين المصارف والمقترضين، ولا القروض المتنازع عليها، ولا حالات الامتناع عن قبض السداد، بل ترد في إطار تنقية الأصول غير المنتظمة، وتتعلّق بالقروض التجارية التي تجاوزت 750 ألف دولار والتي سُدّدت بالليرة اللبنانية بسعر متدنٍ عن سعر السوق ما بين تاريخي 17/10/2019 وتاريخ نفاذ القانون.

وبذلك، يبقى ذكر القروض في المشروع ذكراً تقنياً محصوراً بهذا الإطار الناقص الذي لا يتطرّق إلى سداد القروض بالعملة الأجنبية أو بالدولار، وبالتالي يعفي عدداً كبيراً من كبار المقترضين من تسديد أي تعويض عن سداد قروض بمليارات الدولارات بأسعار متدنية. أي إن المشروع لا يرقى إلى تنظيم قانوني للعلاقة التعاقدية أو للنزاعات القضائية الناشئة عنها.

«لم يتناول نصّ مشروع القانون المُحال إلى المجلس النيابي الدعاوى القضائية العالقة أمام المحاكم ولم يحدّد مصيرها أو كيفية التعاطي معها، لا بشكل صريح ولا ضمني» وفق المحامي كريم ضاهر. لا بل إن إهمال هذه المسألة بالتحديد سيترك ندوباً أعمق في النزاعات القائمة، لأن المشروع لم يذكرها مطلقاً، بمعنى أنه لم يذهب نحو تعليقها أو ربطها بتطبيق القانون الجديد أو تحديد أثره عليها «وهذا ما حصل أيضاً في مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف الذي خلا بنسخته المقرّة «بعد النقاشات التي جرت في مجلس النواب، من أي إحالات إلى تنظيم الدعاوى القضائية أو إلى تعليق أي مفاعيل» يقول ضاهر.

ووفق هذا الوضع، فإنّ واضعي القانون قرروا، عن قصد أو عن إهمال، ترك ملف النزاعات القضائية خارج الإطار التشريعي، أي تركه على عاتق القضاء من دون توجيه واضح.

وهذا ما يرى فيه الخبير القانوني نصري دياب نقصاً منهجياً. «فغياب النص التشريعي لا يعني تعليق عمل القضاء أو تبديل قواعده، بل يعني أنّ القاضي يبقى ملزماً بتطبيق القوانين النافذة، كما كان يفعل قبل طرح هذه القوانين، ما دامت النصوص الجديدة لا تقدّم أي جواب. غير أنّ الإشكالية تكمن في أنّ القاضي بات اليوم أمام منظومة قانونية أكثر تعقيداً، تجمع بين قوانين قائمة كقانون الموجبات والعقود، وقانون التجارة، وقانون النقد والتسليف، وقوانين استثنائية جديدة، كقانون الفجوة المالية وقانون تنظيم المصارف، من دون أن تُحدّد كيفية التوفيق بينها» وفق دياب.

إذاً، سيُترك القاضي أمام الاجتهاد والاستنسابية. وهو أصلاً اليوم أمامها. فالمحاكم لم تصدر أحكاماً تمييزية تكون مرجعية في هذا القانون، بل صدرت أحكام في قضاء العجلة والبداية والاستئناف، وتجمّدت عندما وصلت إلى التمييز. وبمجموع الأحكام الصادرة، هناك توجّهات مختلفة متروكة على عاتق كل قاضي واجتهاداته واستنسابيته.

وفي رأي دياب، فإن «الاجتهاد لا يستقيم قانوناً، لأنّه بالمعنى الدقيق، لا يُبنى على قرار واحد، بل على سلسلة من القرارات الصادرة عن محكمة التمييز، وهو ما لم يحصل حتى الآن في هذا الملف. وبالتالي، لا يمكن تحميل القاضي مسؤولية إيجاد حلول تشريعية، لأنّ القاضي، وفق النظام القانوني المعتمد في لبنان، لا يخلق قانوناً، بل يطبّق النصوص المتوافرة أمامه».

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد