دخلت الحرب الأميركية على إيران بقوة إلى قلب معركة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بعدما تحولت من ملف أمني وسياسي إلى قضية اقتصادية تتصدر الخطاب الانتخابي للحزبين الديمقراطي والجمهوري. فمع تبقي نحو 100 يوم على الاقتراع، تتزايد المؤشرات على أن تكلفة العمليات العسكرية، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، واستمرار الضغوط على أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، أصبحت عوامل حاضرة في المنافسة على السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.
تجرى انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وتشمل جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، و34 مقعداً من أصل 100 في مجلس الشيوخ، إلى جانب انتخابات حكام عدد من الولايات ومناصب محلية أخرى.
ينظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها اختباراً حاسماً لشعبية الرئيس دونالد ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض، إذ ستحدد قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بسيطرتهم على الكونغرس أو استعادة الديمقراطيين الأغلبية بما قد يعيد تشكيل أجندة الإدارة خلال العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية.
مع بدء العد التنازلي للانتخابات، نقل الحزب الديمقراطي خطابه الانتخابي إلى الملف الاقتصادي، بعدما أعلن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، أول من أمس الأحد، أجندة "النضال من أجل أميركا ميسورة التكلفة"، التي تضع خفض تكاليف المعيشة واستعادة مخصصات الرعاية الصحية وإنهاء الحرب على إيران في صدارة أولويات الحزب، وفق "أسوشييتد برس".
جاء إطلاق الأجندة من ولاية بنسلفانيا، إحدى أهم الولايات المتأرجحة في السباق على الكونغرس، في وقت يسعى فيه الديمقراطيون إلى استعادة الأغلبية في مجلس النواب عبر التركيز على القضايا المعيشية وربط استمرار الحرب بارتفاع الأعباء الاقتصادية على الأسر الأميركية، في مواجهة حملة جمهورية تدافع عن سياسات الرئيس دونالد ترامب الاقتصادية والأمنية.
أظهرت نتائج استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث خلال الفترة بين 6 و12 يوليو/تموز، ونشره في 23 يوليو الجاري، أن تكلفة المعيشة والأسعار أصبحت القضية الأولى لدى الناخبين، بينما تراجعت الفجوة بين الحزبين في الثقة بإدارة الاقتصاد، مع تقدم الديمقراطيين في نيات التصويت لانتخابات مجلس النواب.
فاتورة الحرب
تظهر فاتورة الحرب بصورة مباشرة في تكاليف المعيشة التي تتصدر اهتمامات الناخب الأميركي. فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 3.5% على أساس سنوي في يونيو/حزيران 2026، فيما قفزت أسعار الطاقة بنسبة 15.7%، وأسعار البنزين بنسبة 26.7% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بحسب مكتب إحصاءات العمل الأميركي. كما ارتفع متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة إلى 4.11 دولارات، مقابل 3.90 دولارات قبل شهر و3.15 دولارات قبل عام، مع صعود أسعار النفط بسبب الحرب مع إيران.
في سوق العمل، أضاف الاقتصاد 57 ألف وظيفة فقط خلال يونيو/حزيران، مقابل توقعات بإضافة 110 آلاف، بينما جرى خفض تقديرات الوظائف المضافة في إبريل/نيسان ومايو/أيار بنحو 74 ألف وظيفة. ورغم تراجع معدل البطالة إلى 4.2%، انخفضت نسبة المشاركة في قوة العمل إلى 61.5%، وهو أدنى مستوى في أكثر من خمس سنوات، بعد خروج نحو 720 ألف شخص من سوق العمل.
كانت أسواق الطاقة الأكثر تعرضاً لصدمة الحرب، إذ قفز خام برنت خلال ذروة التصعيد إلى 126.41 دولاراً للبرميل في 30 إبريل، وهو أعلى مستوى يسجله منذ عام 2022. ورغم تراجع الأسعار لاحقاً مع انحسار المخاوف من إغلاق مضيق هرمز، فإنها ظلت أعلى من مستويات ما قبل الحرب، قبل أن تعاود تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل خلال يوليو مع تجدد التوترات في المنطقة. وانعكس ذلك سريعاً على السوق الأميركية، إذ ارتفع متوسط سعر غالون البنزين إلى 4.11 دولارات، مقابل 3.15 دولارات قبل عام، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية (AAA)، ما زاد الضغوط على ميزانيات الأسر في ذروة موسم السفر الصيفي، ورفع تكاليف النقل والشحن، وأسهم في إبقاء أسعار الطاقة ضمن أبرز محركات التضخم في الاقتصاد الأميركي.
تزداد المخاوف في الأوساط المالية الأميركية من أن تؤدي الحرب إلى إطالة أمد الضغوط التضخمية. وقال بروس كاسمان، كبير الاقتصاديين العالميين في جيه بي مورغان، في مذكرة نشرتها المؤسسة أمس الاثنين، إن الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة رفع مخاطر التضخم على المدى القريب.
أضاف أن السيناريو الأساسي للبنك يفترض استقرار التضخم السنوي عند معدل يقارب 3% خلال الأشهر المقبلة، إلا أن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر قد يدفع معدل التضخم إلى نحو 4%، وهو ما قد يعقد مهمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة ويزيد الضغوط على الاقتصاد الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي. وتوقعت أداة "فيد ووتش" التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو التجارية ارتفاع احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر غداً الأربعاء إلى نحو 38%، مقارنة بنحو 13% قبل أسبوع. وقال غينادي غولدبرغ، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية في مؤسسة "تي دي للأوراق المالية"، إن هذه القفزة تكشف مدى القلق الهائل في الأسواق من التضخم، ومدى شكوك المستثمرين في قدرة المجلس على تحويل خطابه المتشدد إلى إجراءات فعلية.
تكلفة العمليات العسكرية
لا تقتصر فاتورة الحرب على الضغوط المعيشية، بل تمتد إلى المالية العامة الأميركية. فقد أعلنت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) في 21 يوليو/تموز الجاري أن تكلفة العمليات العسكرية ضد إيران بلغت 37.5 مليار دولار خلال أقل من شهر. وفي المقابل، طلب البيت الأبيض من الكونغرس تمويلاً إضافياً بقيمة 87.6 مليار دولار، يذهب معظمه إلى تعويض الذخائر والأسلحة المستخدمة وتمويل الانتشار العسكري واستعادة جاهزية القوات.
كما أقر مجلس النواب مشروعاً بقيمة 95 مليار دولار لتمويل الحرب وأولويات أخرى لإدارة ترامب، وسط تحذيرات البنتاغون من أن تأخر التمويل قد يضغط على أعمال الصيانة والتدريب والاستثمارات العسكرية. وبذلك ترتفع الفاتورة المحتملة للحرب إلى أكثر من 125 مليار دولار عند جمع ما أنفق بالفعل مع التمويل الإضافي المطلوب. ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يتجاوز العجز الفيدرالي 1.9 تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، بينما يواصل الدين العام الأميركي الارتفاع متجاوزاً 37 تريليون دولار، ما يزيد الضغوط على الموازنة في ظل ارتفاع مدفوعات الفائدة واتساع الإنفاق الدفاعي.
امتدت فاتورة الحرب إلى الأسواق المالية التي شهدت موجات متلاحقة من التقلبات مع كل تصعيد عسكري أو تهدئة دبلوماسية. فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 7%، فيما انخفض مؤشر داو جونز بنسبة 1.7%، وسط انتقال المستثمرين إلى الأصول الآمنة. وخلال موجة التصعيد في 13 يوليو، هبط ناسداك بنسبة 1.55%، وستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.79%، وداو جونز بنسبة 0.26% في جلسة واحدة مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف من اتساع الحرب.
كما ارتفع مؤشر التقلبات VIX إلى 18.7 نقطة في 23 يوليو، بالتزامن مع تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، بينما صعد العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 4.678%، وهو من أعلى مستوياته منذ أوائل عام 2025، في ظل توجه المستثمرين إلى الملاذات الآمنة وترقب تشديد السياسة النقدية بفعل الضغوط التضخمية.
قال رئيس استراتيجية الاستثمار العالمية في معهد ويلز فارجو للاستثمار بول كريستوفر لموقع "ماركت ووتش"، أول من أمس الأحد، إن سوق السندات توجه رسالة إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مضيفاً أن عوامل عدم اليقين تتراكم وأن المستثمرين يطالبون بعائد أعلى مقابل تحملها. وفي مذكرة صدرت الجمعة 24 يوليو الجاري، قال مؤسس شركة روزنبرغ للأبحاث ورئيسها ديفيد روزنبرغ إن شركته لم تتوقع الفصل الجديد من الحرب الأميركية الإيرانية، وإن هذا التطور أصبح عاملاً معقداً لأي أصول طويلة الأجل. وأوضح أنه خفض انكشافه على سندات الخزانة لأجل 30 عاماً، بعدما تجاوز عائدها 5%، وانتقل إلى ديون أميركية أقصر أجلاً، في إشارة إلى تزايد مخاطر التضخم وارتفاع أسعار الفائدة.